الصفحات
لمراسلتنا
attarbiyapress@gmail.com
تستعد الكونفدرالية الديمقراطية للشغل لعقد مؤتمرها الخامس في نونبر
المقبل، وبهذه المناسبة "بدأت" نقاشات هنا وهناك حول "دورها في
الصراع الاجتماعي بالمغرب"، و"هل أدت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل
مهامها التاريخية التي من اجلها أنشأت كبديل تاريخي؟" و" هل ما زال لها
دور تقوم به اليوم؟ أم أنها استنفذت مهامها التاريخية التي من اجلها أسست؟ "
وغيرها من الأسئلة التي طرحت، والتي تحمل في طياتها الكثير من الاستفهامات حول
غايتها ومراميها.
فإذا كان توقيت هذه الأسئلة مفهوما من حيث المناسبة، والتي هي
شرط، فان طبيعة وحدة بعض هذه الأسئلة تعتبر مدعاة للشك، على الأقل، خاصة تلك التي
تتساءل حول "استنفاذ الكونفدرالية الديمقراطية للشغل لمهامها
التاريخية"، الشيء الذي قد يعني للبعض انه " أصبح من الضروري البحث عن
بديل آخر يستجيب للشرط التاريخي الحاضر".
إن تأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، لم يكن وليد الصدفة
التاريخية، بل كان مفكرا فيه، وعن وعي تام بالدور التاريخي الذي يجب أن يقوم به
المناضلون التقدميون، وكان امرأ مرتبا له من قبل بأزيد من عقد من الزمن عن تاريخ
ولادتها - على الأقل- ، لان ذلك جاء استجابة لحاجة تاريخية إلى تنظيم نقابي تقدمي
بديل عن الجهاز البورصوي الذي تمخزن وتبقرط، أي الحاجة إلى تنظيم نقابي له رؤية
سياسية واجتماعية تخدم مشروعا مجتمعيا وطنيا تحرريا ديمقراطيا يوجد على النقيض
التام للمشروع المخزني الرجعي الاستبدادي والتحكمي، القائم اقتصاديا على التبعية للدوائر
الاقتصادية والمالية الدولية التي تخدم الامبريالية العالمية، وسياسيا على
الاستبداد والتحكم والقمع الممنهج لكل الحقوق والحريات الأساسية، كحرية الرأي والتعبير،
والحق في التنظيم النقابي، وثقافيا على التمييع والخلط بين ما هو ماضوي رجعي وما
هو مادي تحديثي شكلي.
جاءت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل - كذلك - استجابة لحاجة
إلى تنظيم نقابي قوي قادر أن يقف في وجه الانزلاقات الخطيرة التي عرفها المغرب منذ
أواسط الستينيات إلى أواخر السبعينيات، والمتمثلة في السياسات الرسمية المتبعة في
العديد من المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية، بدءا من الإجهاز على ممتلكات
الشعب المغربي ومقدرات البلاد تحت مسمى " مغربة " القطاعات الحيوية، وهي
سياسة عملت على خلق طبقة برجوازية هجينة على حساب فقرمجموع المواطنين، وذلك من
خلال توزيع أجود الأراضي الفلاحية على "المعمرين الجدد"، مع تمتيعهم بكل
الضمانات من اجل الاستفادة من القروض البنكية دون أدنى قيد أو شرط، كما عمد
الحاكمون، من خلال أجهزة الدولة، إلى خلق ودعم تنظيمات حزبية اقل ما يمكن أن توصف
به، هو أنها ليست إفرازا طبيعيا للمجتمع، ولا تستجيب لأية ضرورة أو حاجة سياسية مجتمعية،
كما عمدت الجهات الرسمية خلال هذه الفترة إلى التضييق الممنهج على الحريات والحقوق
الأساسية، كحق الاجتماع والتنظيم، وحرية الرأي والتعبير وغيرها من الحقوق والحريات،
مما شكل تراجعا خطيرا على مستوى الحريات والحقوق مقارنة مع فترة بداية الاستقلال، فهذه
الفترة موصومة بالاختطافات والاعتقالات والمحاكمات الصورية بعشرات الآلاف، صدرت
عنها احكام صورية قاسية، لقد استوجبت حقا وصف " سنوات الجمر والرصاص".
إن هذه الأجواء الموبوءة التي سادت مغرب الستينيات والسبعينيات،
والمواقف المتخاذلة للجهاز النقابي البورصوي، فرضت على المناضلين الوطنيين
التقدميين التفكير في ضرورة خلق تنظيم نقابي تكون فضاءاته متنفسا نقيا وحقيقيا لكل
المناضلات والمناضلين، يتمكنون فيه ومن خلاله أن يناقشوا بكل حرية أفكارهم وأفكار
غيرهم دون رقيب ولا حسيب، كما يتمكنون بواسطته ومن خلاله مواجهة كل ما يحاك ضد
مصالحهم ومصالح الفآت العريضة من أبناء الشعب المغربي.
هكذا وفي هذه التربة بذرت بذرة لقحت بأفكار الذين رحلوا من
أمثال المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد وعمر بنجلون وغيرهم من الأفذاذ، وكذا
بأفكار العديد من الشرفاء الذين لازالوا على قيد الحياة، وأنبتت نبتة رأت النور في
نونبر 1978 ، لتصبح اليوم شجرة ثابتة اسمها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل وعمرها
يزيد عن ثلث قرن من الزمن النقابي المغربي.
إن المهام التاريخية التي أسست من اجلها الكونفدرالية
الديمقراطية للشغل، والتي حددها المؤسسون الأولون وسار على نهجها من جاء من بعدهم
من المناضلين الشباب، تحققت في شقها التنظيمي الذي يقضي بضرورة خلق تنظيم نقابي–
ومعه التنظيمات القطاعية المنضوية تحت لوائه - يحمل مشروعا مناهضا للمشروع المخزني
في أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، كما أنها تحققت في شقها
النضالي والكفاحي من خلال الملاحم البطولية التي خطها المناضلون الكونفدراليون
بدمائهم وتضحياتهم ومعاناتهم، هم ورفاقهم ورفيقاتهم وذويهم على طول مسار دربهم
الطويل المليء بالعديد من النجاحات، وبالضرورة ببعض الإخفاقات كأي تجربة انسانية،
الشيء الذي أثمر العديد من المكاسب القطاعية والكونفدرالية، تمثلت أهمها في فرض
المفاوضات وانجاز العديد من الاتفاقات الجماعية، سواء في القطاع العام أو الخاص.
كما شكلت مسيرتها البطولية هذه، الصخرة الشماء التي تكسرت
عليها كل المكائد والمؤامرات الدنيئة التي كانت - ولا تزال - ترمي إلى المس
بمصداقيتها ومصداقية مناضليها ورموزها، أو الطعن في استقلاليتها سواء عن الدولة وأجهزتها،
أو عن كل من يسخرها لأجندته الضيقة، كما تصدت لكل من كان يرمي إلى العبث
بتنظيماتها القطاعية أو الاتحادية.
لكن هذه المهام التاريخية لم تكتمل في شقها السياسي الذي يرمي
إلى تأسيس مجتمع الديمقراطية وحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها كونيا، ويرمي كذلك
إلى تحرير الأرض من براثن الاستعمار، وتحرير الإنسان من الاستغلال والقهر، حيث لا
زالت الديمقراطية لم تتحقق بعد، رغم ما انتزع من مكتسبات، والإنسان ما زال مستغلا،
مقهورا ومضطهدا، والأرض لم تكتمل السيادة عليها. كما أن هذه المهام لم تكتمل في
شقها الاجتماعي الرامي إلى تحقيق عدالة اجتماعية حقيقية تضمن العيش الكريم لكل
المغاربة على قدم المساواة، دون تمييز مجالي أو فئوي أو عرقي آو على أساس النوع
الاجتماعي آو غيره من أشكال التمييز غير الايجابي.
إن عدم اكتمال المهام التاريخية التي من اجلها تأسست
الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، راجع لمعيقات وصعوبات موضوعية أكثر مما هي ذاتية،
مما يجعل الحاجة ملحة أكثر إلى هذا التنظيم المرتبط عضويا وموضوعيا بأوسع الفآت
الشعبية المقهورة، والمعبر عنها وعن مطامحها وآمالها وآلامها، في ظل التراجع
الخطير الذي يعرفه المشهد الحزبي المغربي، علما أن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل
لم تأت بديلا عن أي تنظيم حزبي، وتعتبر أن مهامها غير مهام الأحزاب، وإن كانت
تتقاطع معها في العديد من القضايا ذات الصبغة السياسية او الاقتصادية او الثقافية
او غيرها، كما انها تعتبر تنظيمات اليسار الديمقراطي التقدمي حليفا موضوعيا لها وللتنظيمات
المنضوية تحت لوائها .
ان القول بان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل قد استنفذت
مهامها التاريخية هو قول عار من الصحة ومجانب للصواب، بل فيه ما فيه من التجني والخذلان
وخدمة لخصوم الطبقة الكادحة والشغيلة المغربية وعموم الأجراء، ولكل التواقين الى
ارساء مجتمع الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، لان الكونفدرالية الديمقراطية
للشغل لم تهادن ولم تساوم ولم تحد عن خطها الكفاحي أبدا، وذلك على طول مسيرتها
النضالية، ويشهد لها بذلك تاريخها المجيد، دونما الحاجة إلى شهادة أي كان.
إن مواقف الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في العديد من القضايا
الوطنية والدواية لا تملى عليها من أية جهة كانت، بل هي نابعة من قناعات مناضليها
على اختلاف مشاربهم الفكرية والسياسية والإيديولوجية، يتداولون فيها فيما بينهم،
ويقارعون الحجة بالحجة، ويقنع بعضهم بعضا، ليخلصوا في الأخير إلى قرارهم، كأي
منظمة تقدمية ديمقراطية، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل " لا تتخذ من
القرارات إلا ما تحسن الدفاع عنه " ، وعندما تتخذ القرار فإنه يكون ملزما
للجميع ، وعلى الجميع الالتزام به والدفاع عنه، وإلا صار من غير الكونفدراليين.
فمواقف الكونفدرالية الديمقراطية للشغل الأخيرة سواء من
الوقائع والاحداث التي عرفتها المنطقة المغاربية ومنطقة الشرق الأوسط، أو بالنسبة
لمجريات الأحداث الوطنية، أثبتت حصافة رأيها ودقة قراءاتها وتحليلاتها، فكان
موقفها دائما مع تحرر الشعوب وحقها في اختيار من يحكمها دون أدنى تدخل أجنبي في
شؤونها الداخلية، سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو مصر وتونس أو غيرها من
الدول، ولهذا أدانت العدوان الأمريكي الامبريالي على العراق وأفغانستان والصومال
وسوريا، كما كانت مواقفها من القضايا الوطنية واضحة لا لبس فيها ولا مواربة،
كموقفها من الدستور الممنوح الذي قاطعته، مثلما كان موقفها من الانتخابات الأخيرة
المتحكم سلفا في نتائجها، والتي أفرزت حكومة لا تحكم، ولا تجيد سوى التملص من
الالتزامات السابقة وإثقال كاهل المواطنين بالزيادات المتتالية في ثمن المحروقات وما
ينتج عنها من نتائج سلبية.
لقد عرفت السنتين الأخيرتين من الزمن السياسي المغربي، عقد
مؤتمرات العديد من التنظيمات الحزبية والنقابية والجمعوية، وراءى الجميع كيف تدخلت
أجهزة الدولة في هذه المؤتمرات – على حسب أهمية وقوة التنظيم – وأفسدتها بتحكمها
فيها وفي نتائجها وعينت من يسيرها، وهذا ما صرح بها المنتسبون إليها، ووثقوه
وسلموه للإعلام، بل منهم من التجأ إلى القضاء وطعن في كل شيء بدءا من لوائح
المؤتمرين وصولا إلى النتائج، وقد تتبع الجميع هذا المسلسل المخجل من التدخلات
السافرة لأجهزة الدولة في السير العادي للأحزاب والجمعيات والنقابات، فإذا كانت
الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، كأقوى مركزية عمالية بالمغرب، تستعد لعقد مؤتمرها
الخامس فان الكونفدراليون يعلمون علم اليقين أن هذه الأجهزة الدولتية تتابع عن كثب
كل ما يرشح من معلومات عن التحضير، وكما قال الكاتب العام الأخ محمد نوبير الأموي
في كلمته أمام اللجنة التحضيرية إننا لا نحضر لهذا المؤتمر لوحدنا وأن هناك العديد
ممن يتابعوننا، وحذر من مغبة التدخل السافر في شؤوننا، من أي كان شأنه، وأننا
سنتصدى له جميعا بكل الوسائل والسبل، فانه من المؤسف جدا أن تفتح تلكم النقاشات،
التي اشرنا إليها في البداية والتي نعتبرها غير بريئة وهدامة، من طرف بعض من
نعتبرهم إخوانا لنا وحلفائنا وشركائنا في المشروع المجتمعي البديل الذي نناضل من
اجله، لهذا نناشد الجميع بضرورة التحلي بالوعي التاريخي الذي بفضله نميز بين ما هو
استراتيجي وما هو تكتيكي، بين الحليف والخصم، بين الذات ونقيضها، حتى لا يحصل ما
لا نرضاه لرفاقنا و"يرتد السلاح إلى الخلف".
عثمان باقة
مناضل كونفدرالي
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ارشيف "الجريدة"
المواضيع الأكثر قراءة
- نموذج الطعن في نتائج الترقية بالاختيار لأساتذة التعليم الابتدائي والثانوي
- المذكرة 14/867 بتاريخ 17 أكتوبر 2014 بشأن القرارات التأديبية المتخذة من طرف مجالس الأقسام
- حافظة المشاريع و"الإطار المنطقي" لتفعيل أحكام القانون الإطار 17-51.
- موقع لوزارة التربية الوطنية يعرض مواضيع الامتحانات الإشهادية للسنوات السابقة (السادسة ابتدائي، الثالثة إعدادي، الامتحانات الجهوية، امتحانات البكالوريا)
- مباراة الدخول إلى السنة الأولى من سلك تحضير مباريات التبريز (دورة 2014)
- بادرة طيبة من طرف المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية لمقاطعة عين الشق في موضوع الدعم النفسي للمتعلمين عن بعد (الإعلان)
- قرار جديد يحدد المهام المسندة للمساعدين التقنيين العاملين بوزارة التربية الوطنية
- ولوج الأقسام التحضيرية للمدارس العليا: أكثر من 39 ألف طلب للترشيح لولوج المراكز العمومية للأقسام التحضيرية للمدارس العليا الموسم الدراسي 2014 / 201
- البرامج والتوجيهات التربوية الخاصة بسلك التعليم الثانوي التأهيلي:
- القصة الكاملة لتشريد أستاذ بشوارع العيون ووزارة "بلمختار" تتجاهل الأمر
0 التعليقات:
إرسال تعليق